العيون سيدي ملوك.. خلاصات حول حملة التشجير

مما لا شك فيه أن ثقافة التشجير هي من أرقى الثقافات التي قد تجدها في أمة ما أو مجتمع ما، وسبب ذلك.. هو أنها ترتبط مباشرةً بثقافات حضارية أخرى؛ كثقافة النظام، لأنه من النظام العام أن تمتلك مجالا أخضرًا غنيا، كما أنها ترتبط رأسًا بثقافة المعمار؛ لأنه لا نجاح للتصاميم المعمارية العامة و الخاصة بدون هندسة بيئية تكون ثقافة التشجير أساسها الأول، و قاعدتها الرئيسة..

ثم إن الثشجير هو إحدى خطوات التغيير التي يجب على الأمم الواقعة في درك التخلف أن تخطوها، لأنه أبدا لا يحدث التغيير الحضاري مع استثناء التغيير البيئي، و التغيير البيئي إنما يدل على حدوث تغيير جذري على مستوى العقليات و أنماط التفكير لأنه يندرج ضمن السلوك الإيجابي، و هذا الأخير إنما هو نتاجُ الفكري الإيجابي.. الفكر البناء.. الفكر الحضاري..

و إضافة لهذا و ذاك، تعتبر الأمم المتبنية لثقافة التشجير أمما أصيلة راسخةً في ترابها.. ثابتةً في أوطانها، إِذْ لطالما شبهت أممٌ رسوخها في أوطانها برسوخ الشجر الشائع في أراضيها، من ذلك مثلا، تشبيه الأتراك لتجذرهم في أراضيهم، ولبقاء دولتهم و استمرارها رغم كل الخطوب التي واجهتها – يشبهون ذلك كله – بتجذر شجرة الدلب في الأرض التركية، و من ذلك ايضا؛ تشبيه الشعب الفلسطيني لأصالته و صموده على أرض فلسطين؛ ضدا على إرادة الكيان الصهيوني المحتل، بأصالة شجرة الزيتون المباركة و بقائها و استمرارها في التراب الفلسطيني منذ القدم و إلى اليوم، و كذلك بصمودها رغم كل محاولات التجريف و الاقتلاع و الحرق التي تتعرض لها من قبل الصهاينة الهمج الغاصبين..

إن مناسبة ما ذكرناه أعلاه هو حملة التشجير التي انطلقت مؤخزا بمدبنتنا العيون سيدي ملوك، و ما زالت مستمرة، و هي حملةٌ تُحيلنا على مجموعة من الخلاصات التي بالإمكان البناء عليها مستقبلا، و هي كالآتي:

أولا: هذه الحملة التي جاءت بمبادرة من شاب عيوني مقيم بالديار الأوربية، و التي تبنتها فئة من أبناء و بنات المدينة في الداخل و الخارج، و مجموعة من فعاليات المجتمع المدني، ثم انخرط فيها فيما بعد حتى مجلس جماعة المدينة، هذه الحملة استطاعت أن توحد كل أطياف المدينة، و أن تجمع كل أيادي البناء، و أيادي الخير و الإحسان على فكرة بناءة، و هذه هي أهم خطوة في كل مشاريع النجاح، لماذا؟ لأنها تفتح أمامنا الباب على مصراعيه من أجل تعميم هذه المبادرة على أفكار بناءة أخرى، كالبحث مثلا عن تحقيق تكتل مساهم في مشاريع استثمارية – اقتصادية، ثقافية، رياضية… إلخ – صغيرة أو متوسطة أو كبيرة داخل المدينة، أو في محيطها القروي، ما يفتح الفرصة فيها للتغلب على الهشاشة و الفقر، سواءٌ بتوفير فرص الشغل و تقليص البطالة، أو بخلق فضاءات للتكوين و التثقيف و التعلم.. كما قد تستنسخ مثل مبادرة التشجير؛ في مبادرة البحث عن تحقيق تكتل مؤسساتي متعاون و متضامن للدفاع عن مصالح المدينة لدى مؤسسات رسمية تُطبخ فيها كل الملفات الاقتصادية و البيئية و الثقافية و العلمية و الرياضية الخاصة بمدن المغرب كله..

إذا فالخلاصة الأولى و هي الخلاصة الرئيسة، تتجلى في توحيد العمل الإحساني و توجيهه نحو الأفكار التنموية، لأنه شئنا أم أبينا يبقى العمل التضامني الاجتماعي ترقيعا لا يُعالج الهشاشة و الفقر علاجًا جذريا، و بالتالي وجب توجيه العمل الإحساني نحو تبني افكار استثمارية، و مشاريع استثمارية، و إبداعات استثمارية تعود على المدينة و ساكنتها – الحضرية و القروية – بوفرة في فرص الشغل، و سعة في الرواج التجاري، و تحسن على مستويات النظام العام و النظافة و هندسة البيئة… إلخ.

ثانيا: هذه المبادرة المبدعة التي حركت – إلى حد ما – مجموعة من فعاليات المجتمع المدني، تعطينا انطباعا على أن مصير المدينة و ساكنتها مرتبطٌ بالإبداع على مستوى المبادرات التنموية، ذلك الإبداع الذي هو وقود حركية المجتمع المدني بكل أطيافه، إذ لا يمكن لهذا الأخير أن يتحرك في اتجاهِ تَبَنِّي فكرةٍ ما أو مبادرة ما دون أن تُغريهُ نتائجها على المستويات الثلاث؛ القريبِ منها و المتوسط و البعيد..

ثالثا: فكرة الأستاذ جمال بلعرج التي تحولت إلى مبادرة، ثم إلى حملة انخرطت في فيها أطراف عدة – محسنين.. قروبات.. هيئات و مؤسسات – إنما هي في الأصل فكرة شاب عيوني، ازداد بمدينة العيون سيدي ملوك، و تربى في أحيائها الشعبية التي أحاطها التهميش و الحرمان عقودا من الزمان.. هي فكرة شاب عيوني يتقد في جوفه لهيب الغيرة على بلدته.. على مدينته رغم بعده عنها، تلك الغيرة البناءة هي ما يحرك فكر كل مواطن بَارٍّ بمدبنته و ساكنتها، فيجعله يبدع في إيجاد الحلول للمشاكل التي تعترض الناس فيها، و تلك الغيرة هي ما نفتقده في الكثير من المسؤولين الوادين على على مدينتنا – مع الأسف الشديد طبعا – أولئك الذين عايناهم يأتون إليها فارغين، فلا يخرجون منها و يغادرونها إلا و قد حازوا فيها قطعةً.. أو قطعتين.. أو ثلاثًا.. أو أربعًا أو خمسًا أو ستًّا متناثرةً هنا و هناك!!

إذا فإخراج المدينة من واقعها الحالي، رهينٌ بأفكار أبنائها، لا بأفكار الوافدين عليها؛ لاسيما المسؤولين منهم مع الأسف الشديد!! و نحن لا نعمم طبعا..

رابعا: من الخلاصات المهمة التي يجب أن نقف عليها، أنهُ قد تكون مدينتنا فقيرةَ الموارد، لكن هذا لا يعتبر واقعًا خاصًّا بها وحدها، إذْ أَنَّ هنالك مُدُنًا تكبر العيون سيدي ملوك من حيث المساحة، لكها تعيش واقعا أكثر مرارة من واقع مدينتنا، إذا فالمسألة المؤثرة ليست هي فقرَ الموارد، و إنما هي فقر الأفكار التنموية المبدعة، و فقرَ المشاريع التنموية المبدعة، و فقر المبادرات التنموية المبدعة، و فقر الغيرة على المدينة و ساكنتها لدي المواطن و المواطنة المحليين، و فقر روح التعاضد و التآزر و التعاون و الوحدة في كل مشاريع الخير و النماء، هذه هي ضروب الفقر المؤثر الذي يشدُّ أيَّ مدينةٍ كانت إلى واقع الفوضى و الاتساخ و العشوائية و الفقر و غير ذلك من المظاهر السلبية التي تغرق فيها أغلب مدننا..

ختاما.. أن هذه الخلاصات الأربع، يجب الوقوف عندها طويلا، بل يجب اتخاذها كمادة لنقاش محلي نعيد من خلاله ترتيب أفكارنا و جهودنا المتعلقة بالعمل التضامني و بتنمية المدينة..

إن هذه المبادرة هي فرصة حقيقية لتغيير طريقة العمل الإحساني التقليدي، الذي يروم معالجة الفروع لا الأصول، و هنا قد يذهب البعض إلى أن معالجة أصول المشاكل التنموية و البيئية و الثقافية و غيرها إنما هو مسؤولية مؤسسات الدولة، و الجواب هو أن جزءا من ذلك يقع على عاتق مؤسسات الدولة، أما الباقي فهو رهين بمدى نبوغ الفكر الإبداعي التنموي الشعبي الذي يتحول إلى مبادرات و حملات ينخرط فيها الجميع كما هو حال حملة التشجير اليوم في مدينتنا العيون سيدي ملوك، و كما كان الحال في حملات تزيين أحياء مدن الشمال – طنجة و تطوان بشكل خاص – و كما هو حال عشرات -بل مئات- الأفكار التنموية التي تحولت إلى مشاريع كبرى تستفيد منها جهات بأكملها؛ “تعاونية الحليب بالمغرب الشرقي (كوليمو)” نموذجا..

إختر التصنيف للمزيد من الأخبار

أحدث المقالات والأخبار

كن أول من يعلق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


*