نجيب العوفي يؤكد أن الثقافة المغربية الحديثة والحداثية ترعْرعت في كنَف اليسار

تاريخ النشر الأصلي: 18 يونيو، 2021

نجيب العوفي يؤكد أن الثقافة المغربية الحديثة والحداثية ترعْرعت في كنَف اليسار

قال الناقد المغربي نجيب العوفي إن “الثقافة المغربية الحديثة والحداثية ترعْرعت وأينعت في كنَف اليسار المغربي، حيث ارتبط السياسي بالثقافي في وشيجة تفاعلية تاريخية، فكانت السياسة مسْكونة بالهاجس الثقافي، وكانت الثقافة مسكونة بالهاجس السياسي”.وبعدما تساءل الأكاديمي المغربي “من المهيمن على مَن؟”، أشار في مقال له بعنوان “طَللية الزمن اليساري” إلى أن “العبرة بالوفاق الذي كان قائما بين السياسة والثقافة، والذي أضحى الآن شقاقا وجفاء بين الطرفين، حيث طغى السياسي أو بالأحرى (السياسوي) تماما على الثقافي، وأزاحه عن سُدّته”.

وورد ضمن المقال ذاته أنه “لم يعد باقيا من اليسار سوى جُيوب وهوامش حزبية جديدة تحاول بشقّ النفس أن تحفظ لليسار بعض وهْجه ومبادئه، لكن حالها فيما يبدو كحال من يصيح في واد وينفخ في رماد، أو كحال اليتيم الذي اقتسم أهل البيت ميراثه سُحْتا وطمعا”.

وهذا نص المقال:

طَلَلية الزمن اليساري
في كنَف اليسار المغربي، ترعْرعت وأينعت الثقافة المغربية الحديثة-والحداثية، حيث ارتبط السياسي بالثقافي في وشيجة تفاعلية تاريخية، فكانت السياسة مسْكونة بالهاجس الثقافي، وكانت الثقافة مسكونة بالهاجس السياسي، دون الدخول هنا في تفاصيل من المُهيمن على مَن؟ فالعبرة بالوفاق الذي كان قائما بين السياسة والثقافة، والذي أضحى الآن شقاقا وجفاء بين الطرفين، حيث طغى السياسي أو بالأحرى “السياسوي” تماما على الثقافي، وأزاحه عن سُدّته.

كما دارت دوَائر الوقت والعوْلمة أيضا على الثقافي وأزاحته عن سدّته، بعد أن امتصّت شُحنته الحرارية التاريخية.

واليسار المغربي التاريخي المعني هنا، يشمل مختلف فصائله ومفاصله في المشهد السياسي غداة الاستقلال: الاتحاد الوطني للقوات الشعبية-الاتحاد الاشتراكي-الاتحاد المغربي للشغل-التقدم والاشتراكية-منظمة العمل الديمقراطي… ثم اليسار الجديد بأطيافه المختلفة، المحظورة سياسيا والناشطة ثقافيا وأدبيا.

في كنف هذه المظلة اليسارية قُزحية الألوان، وجدت الثقافة مرْتعها ومرْعاها، أو على الأقل وجدت هامشا وفُسحة للحَراك.

ولا مراء في أن الحراك الثقافي اليساري في أفق الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الفارط، كان مالئا الساحة وشاغلا الناس.

وحين نستعيد الآن الملاحق الثقافية للجرائد الوطنية آنذاك، والمجلات الثقافية التقدمية الحداثية من عيار: “أقلام”، “آفاق”، “أنفاس”، “الثقافة الجديدة”، “الزمان المغربي”، “البديل”، “الجُسور”، “المقدّمة… وحين نستعيد في السياق ذاته وفرة الملتقيات والمنتديات الثقافية الحافلة بالناس والحياة، (حين نستعيد ذلك) يحضُر بجلاء وبهاء ذلك الحَراك الثقافي، ويتأكد ذلك الوفاق بين اليسار والثقافة.

لقد كان ثمّة بوْصلة نظرية تَهدي وتقود السياسة والثقافة معا.

وكان ثمّة التحام ثقافي وإبداعي عميق بمشاغل ومشاكل المجتمع والأمّة.

وكان ثمّة جُرأة على قول (لا) في زمن عُنْف-وَان الحُكم.

كان (الالتزام) شعار المرحلة. وكان (المثقف العضوي) حاضرا.

كان ثمّة وضوح في المقاصد والأهداف، ورسوخ في المبادئ والمواثيق.

وفعل الماضي الناقص هذا (كان) يُوحي بداهة بأن الأمور أصبحت في خبر كان، حيث يبدو اليسار السياسي والثقافي الآن كأنه فقد البوصلة؛ إذْ فقد صلابته وتماسكه وزخمه.
يبدو كأن اليسار، فقد يساريته.

ولم يعد باقيا من اليسار، سوى جُيوب وهوامش حزبية جديدة تحاول بشقّ النفس أن تحفظ لليسار بعض وهْجه ومبادئه، لكن حالها فيما يبدو كحال من يصيح في واد وينفخ في رماد، أو كحال اليتيم الذي اقتسم أهل البيت ميراثه سُحْتا وطمعا.

لا شك في أن مياها كثيرة جرت تحت الجسر، وأن كثيرا من هذه المياه كان عكِرا كدِرا، مما أثّر سلبْا على قوى اليسار وصلابة مواقفه.

والسؤال اليساري الذي يتسلّل إلى “يسار” الأحداث دائما: كيف يستعيد اليسار وهْجه وسط هذا المتلاطم اللجّي من العوْلمة-اليمينية الهجينة الكاسحة، وهذه العدوانية الصهيونية الشرسة التي نخَرت البيت العربي وعاثت فيه فسادا وتطبيعا وتركيعا؟

والسؤال في عمقه، يتأبّط جوابه.

ليستعيد اليسار دوره الثقافي في تصوّري، لا مناص من أن يستعيد بوْصلته اليسارية الضائعة والشاردة بين الأنواء والأهواء والتباس الأجواء.

على اليسار فيما أتصوّر، أن يستعيد يساريته وعنفوانه، وأن ينزل إلى الشارع بمظلّة فكرية جديدة تؤطّر هذا الاحتقان الشعبي الذي يسود الشارع المغربي والعربي.


على قوى اليسار، قديمها وجديدها، بعبارة، أن تجتمع حول مائدة مستديرة لتفكّر مليّا في ضخّ حرارة فكرية وإيديولوجية جديدة في بطارية اليسار المعطّلة منذ عقود، وأن تعيد للأجيال الجديدة بوارق آمالها المنطفئة منذ زمان. وقد عوّدنا اليسار دائما أنه البوْصلة، والنجمة المضيئة الهادية وسط دياميس الظلام المطبقة.

وفي سياق العوْلمة الكاسحة المعْطوبة، والهجمة الإمبريالية والصهيونية المتجدّدة الشرسة، وبؤس الحركات السلفية والتّكفيرية، تبدو الحاجة ماسّة إلى يسار جديد وفكر جديد، من أجل عالم جديد.

وتبقى الرسالة التاريخية لليسار المغربي، من قبلُ ومن بعد، هي الانحياز المطلق لجماهير الشعب الكادحة والمقهورة، والمُواجهة الشجاعة والمنهجية لقوى الاستغلال الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي والديني… بآليات واستراتيجيات الحداثة المتطورة، ومنطق التحليل العلمي-التاريخي لوقائع الحال ومؤشّرات المآل، التحليل الملموس للواقع الملموس، والتصدّي السياسي والثقافي والوطني لكل المشاريع التآمرية الخبيثة لتمْييع وفرْنسة وصهْينة وشرْذمة الهويّة المغربية والأجيال المغربية الصاعدة السائرة على غير هُدى.

هكذا تبدو الحاجة ماسة إلى يسار جديد، وثقافة جديدة، ورؤية بعيدة إلى تُخوم المستقبل وكمائنه الخفيّة، حتى لا يذهب دمُ اليسار سُدى بين القبائل، وحتى لا يُصبح المغرب أرضا يسْتنسُر فيها البُغاث. (أغراب الطير والغِربان المحوّمة في الأفق).

ولنُنصت، كمِسك ختام لهذه الملاحظات، إلى هذا المقطع الشعري من قصيدة “صلاة” للشاعر المصري أمل دنقل، لعله ناطق بلسان الحال:

تفرّدتَ وحدك باليُسر.. إن اليمين لفي الخسر،

أما اليسار ففي العُسر، إلا الذين يُماشون،

إلا الذين يعيشون يحشُون بالصّحف المشتراة

العيون فيُعشون

إلا الذين يشُون، وإلا الذين يُوَشّون

ياقات قمصانهم برباط السّكوت.

المصدر: المغرب اليوم | ثقافة
ارسلوا مقالاتكم للنشر إلى: info@elaiounsidimellouk.com

مصدر الخبر
Feed: المغرب اليوم | ثقافة

Created by WPeMatico

إختر التصنيف للمزيد من الأخبار

أحدث المقالات والأخبار

كن أول من يعلق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


*