كم يلزمنا من جرعات صبر!؟…

بقلم محمد بوزكَو

في الأول استقبلت هذا الحجر الصحي بكثير من الفرحة والأمل… قلت مع نفسي مهما طغت كورونا وتجبرت فإنها على الأقل فرضت علي المكوث بالمنزل والعودة إلى الذات… هي فعلا فرصة لبسط الذات تحت مجهر النقد الذاتي… ولمراجعة الكثير من الأمور… وهي فرصة أيضا للحد من الاختلاط ومن كثرة السماع لكثرة الهرد… 

مضت الأيام الأولى متبعًا الوصفة… وبما ان الإنسان يعرف نفسه أكثر من غيره، مرت عملية الفحص المجهري بسلاسة رغم بعض التردد… 

ومع توالي الأيام… اتسع الفراغ… استهلكت الكثير من الأفلام… كتبت بعض الأفكار… فتحت سيناريو فيلم جديد… مع كثير من التعثر… وفقدان الرغبة… أمام بعض ما يعتصر في دواخلي… يتوقف الزمن… والفراغ عنيد يأبى التقلص… فلا أجد ملاذا غير الإطلال على جدران الفايسبوك…

يلج الليل في النهار ويلج النهار في الليل… تفقد الأنامل أعصابها وتنزلق أكثر فأكثر وسط الفضاء الأزرق… تتسلى ببعض الأخبار وبعض الفيديوهات… لكن مع توالي الانزلاق والغوص في الأعماق… تتوالى الارتدادات والرجات… فتغرق وتغرق في قاع بحر هذا الفايس البدون قرار… تتقاذفك جدرانه المثخنة بالتفاهة والبؤس الفكري… تندهش من هذا الكم الفضيع من الجهل والعنف… جهل يُستغل للمتاجرة… بيع وشراء… وتقديس موثق بالشهادات والديبلومات… وعنف يغذيه انهزام داخلي وفراغ فكري عميق نتيجة أزمة هوية وغياب حس نقدي… نتيجة تخلف يزداد عمقًا واتساعًا أمام عالم يتطور بسرعة ولا يرحم… 
ومن سولت له نفسه للانتفاض ضد هذا المد الخطير للتفاهة واللامعنى… وانتقد أو أبدى رأيًا مخالفًا… ينتصب جيش عرمرم… ينتحل صفة ملائكة الرحمن… ليبدأ الجلد باسم الله… يوزع الصكوك… ينجز محاضر الإدانة… محاضر مكتوبة بمصطلحات تزكم الأنوف… ثم تأتي الفتوى بإطفاء النور… نور النقد… نور الاختلاف… نور الجدل… في محاولة لتعويض الانهزام الداخلي بفوز افتراضي… 

حين يعجز الإنسان عن مواكبة التقدم العلمي والتكنولوجي الذي يشهده العالم… حين يستطيب الفرد لذة استهلاك ما أنجزته عقول الآخرين بدون أدنى مجهود… وحين يفتح البني آدم مكتبته ولا يجد كتاب علم قد أنجزه… ولا اختراعا قد اكتشفه… وأن كل ما راكمه ليس سوى كلام مكتوب ومنقول عن منقول… يستنسخه بسهوله عبر نقرة كوبي كولي تعلمها بالتعود… ليهاجم به الآخر كما صواريخ من عود ثقاب… وحين يتحول الإيمان بالله للإيمان بخلافة الله والنطق باسمه… 
وحين… 
وحين…
حينذاك… خير لنا أن نصلي الجنازة علينا جميعا… ونتبادل العزاء… على شفا مقبرتنا الجماعية… بدل أن نزاحم العالم ونشغله بتفاهتنا… وبدل أن نستهلك هواء الله بدون فائدة… هواء هناك من هم في حاجة اليه لخدمة البشرية الصالحة… فالظاهر أن مدة صلاحيتنا قد انتهت… وكل استهلاك لما ننتجه من أغلب أفكارنا، هو مع الأسف، مضر بالصحة… وربما أكثر من كورونا نفسها… فلندخل سوق رؤوسنا ونُحجر إلى أن يحن الله علينا…

1 Comment

  1. تحياتي للكاتب بوزگو …اشكرك على هذا المقال الجميل ، كما عودتنا دائما بأسلوب سلس جميل ..و كذلك اختيارك للموضوع كان رائعا …فنحن نعاني ازمة تربية في مجتمعنا …و الطامة الكبرى هي عند التقاء الجهل و انعدام التربية عند شخص ما ، فانتظر الكارثة بكل المقايس اخي ….فجراء ذلك الثنائي الشنيع انعدام التربية و الجهل صرنا نعيش التفاهات …لكن اخي بوزگو ، اذا اردنا ان نتخلص من اهل التفاهات فعلينا اتقان فن اللامبالاة ….تحياتي لك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


*