على عتبات فن الملحون بحر زاخر يجذب الفقراء والأدباء والأثرياء

تاريخ النشر الأصلي: 2 مايو، 2021

على عتبات فن الملحون بحر زاخر يجذب الفقراء والأدباء والأثرياء

لكل شعب صورة تتصدر واجهة سلسلة موروثه الثقافي، الذي هو تعبير فردي أو جماعي عن قضايا جماعية مشتركة لها صلة بالأحداث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تستأثر باهتمام الإنسان وتشغل محيطه الكبير والصغير أو هي تعبير شخصي يعكس أحاسيس الفرح والحب والحزن أو الإنجازات والخيبات الذاتية التي يشاركه فيها الآخرون بشكل مباشر أو غير مباشر. فانطلاقا من التعبير المتصل بالقاعدة الشعبية، مثل فن الملحون كما يطلق عليه البعض وأدب الملحون كما يسميه البعض الآخر، صورة بارزة ومتميزة داخل المنظومة التراثية الأدبية والفنية الشعبية لغرب شمال إفريقيا.

صورة تدرجت وتحولت بخصوصياتها الزجلية الشبيهة بالموشح الأندلسي إلى حد ما، من عصر الموحدين، (1121-1269) متدرجة في الذاكرة الشعبية وفي التراث المغربي إلى أن أصبحت جزءا مواكبا للغناء في صورته الحالية المعروف بالملحون.

لقد شكل الملحون جسرا عبر عليه الشعراء والزجالون إلى ضفة الأغنية الحديثة لغرب شمال إفريقيا، ابتداء من مستهل القرن الماضي. كما استقى من معينه الشعري والغنائي كتاب ومخرجون مسرحيون مادة غنية لأعمال جليلة بقي صداها نموذجا وروحا لتجديد الحركة المسرحية حتى الوقت الراهن. فعلى سبيل المثال لا الحصر، مسرحية “النور والديجور” ومسرحية “الحراز” في الستينيات من القرن الماضي للكاتب عبد السلام الشرايبي وإخراج الفنان الطيب الصديقي، مسرحية “سيدي قدور العلمي” لفرقة الوفاء المراكشية، أو “قاضي الحلقة” لأحمد الطيب العلج وعدد من الأعمال غير هذه التي تعد بالعشرات، كما اختارته فرقتا ناس الغيوان وجيل جيلالة واستقت من قصائد هذا الفن إضافات إلى مسيرتهما الغنائية.

فالملحون اليوم هو فن غنائي يتميز عن باقي الفنون الغنائية الأخرى المغاربية من حيث اعتماده على القصيدة الشعرية العربية الزجلية، سواء بنفس بحور الشعر العربي أو ببحوره الخاصة التي منحته هوية متميزة. بحور حملت أسماء مثل المبيت والمشتب والسوسي، ولها قياسات وقواعد تنفرد بها عن غيرها من أدوات التعبير الأدبية.

لقد دأب منشدو فن الملحون على افتتاح أغنياتهم بمقدمات على أسلوب الأشعار العربية القديمة كممهدات للقصيدة اسمها “السرابة”؛ وهي في الغالب أشعار قصيرة مجهولة المبدع ولا علاقة لها بموضوع القصيدة المركزي .

يا قلبي كون عن حبيبك صبار * الصبر مفتاح للكنوز والدخيرة

محبوبك لا تعاتب الو جـــــــار* ارجى وصلُ بعد سوايع عسيرة

فعلى الرغم من البحوث والدراسات العديدة التي شملت هذا الصنف من الشعر الزجلي الشعبي، فإن مرحلة نشوء أدب الملحون التاريخية تبقى غامضة؛ لكن مما لا شك فيه هو أن نشوءه قد بدأ مع انتشار اللغة العربية العامية بين الأوساط الشعبية، حيث وجد فيه العديد من الذين لا شأن لهم بقواعد الإعراب والصرف والنحو ضالتهم، كما يشير إلى ذلك ابن خلدون حين يقول في مقدمته عن إعجاب أهل فاس به، “فاستحسنه أهل فاس وولعوا به ونظموا على طريقته وتركوا الإعراب الذي ليس من شأنهم وكثر سماعه بينهم واستفحل فيه كثير منهم ونوعوه أصنافا” (ص 530).


إن شهادة ابن خلدون تشير إلى أن هذا الشعر الزجلي لم تكن له في زمن ابن خلدون صلة بالغناء، وإنما كان مجرد أشعار، ستصبح لاحقا ابتداء من القرن الخامس عشر المعتمد الأساسي لمقامات الملحون الموسيقية التي في غالبيتها مقامات تنحدر من الطبوع الأندلسية وتستعمل آلات هذه الأخيرة مثل العود والكمال وآلات النقر من دربوكة وطر(الرق) وإنشاد، غير أنها انفردت مع الزمن بهويتها المستقلة تحت اسم الملحون.

تعددت النعوت والاسم واحد
حول تسمية الملحون هناك آراء مختلفة للدارسين والمختصين؛ فقد قرنه الأستاذ محمد الفاسي باللحن، فصار ملحونا على وزن مفعول، غير أن الدكتور عباس الجراري يعارض ما ذهب إليه الفاسي في كتابه “القصيدة” حين يقول: “إن التسمية اشتقت من اللحن بمعنى الخطأ النحوي” (ص 67)، ويسند رأيه بقولة ابن خلدون في المقدمة: “وربما يلحنون فيه ألحانا بسيطة على طريقة الصناعة الموسيقية”.

كانت هذه القصائد تسمى الأصمعيات كما كانت في الشرق تسمى بالبدوي نظرا لما يعتريها من لحن في اللغة. غير هذين الرأيين هناك رأى ثالث للأستاذ احمد سهوم، الذي يميل إلى تعريف الملحون في الصفحة الأخيرة من كتابه “الملحون المغربي” بأنه “القول البليغ، الواصل المقنع”، ويستدل على ذلك بقصيدة للشاعر عبد الله بن حساين الذي عاش في مرحلة الدولة السعدية (1554-1659) حين يقول:

والكول كل ملحون * أو فَ: النظام موزون

ويقول أيضا

ملحون ف: المعاني موزن * علا نظامت النظام”

وفي هذا السياق جاء في حديث أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أن يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فأَقْضِي لَهُ بِنحْوِ مَا أَسْمَعُ، إلى آخر الحديث” رواه البخاري.


لم يكتف المهتمون القدامى باسم الملحون بل أطلقوا عليه عددا من الأسماء؛ منها: القريض، لوزان، لكلام، السجية، الكريحة، العلم الرقيق، العلم الموهوب وقائمة الأسماء طويلة. ولكل هذه الأسماء شهاداتها في اشعارهم سيضيق المجال هنا لذكرها كلها، وسنكتفي على سبيل المثال بنموذج العلم الموهوب، من منطلق أن الموهبة في الشعر هبة إلهية لا تكتسب بالحفظ أو بالتعلم. وفي هذا المعنى، يقول شاعر الملحون علي البغدادي:
سر الله ما يخفى ولا يدرك من والا * إلا من وهبو خالقُ وفتحلو البصار

لقد تجاذبت شعر الملحون كما تجاذبت كل حركات الشعر الشعبي في كل المجتمعات العربية تيارات الرفض والقبول؛ لكنه استطاع الصمود أمام كل هذه الدعوات الرافضة والمعادية له، فسلك طريق ترعرعه وانتشاره عبر قنوات دعم الطبقات الشعبية من الحرفيين والصناع اليدويين؛ فعانق شعراؤه، الذين غالبيتهم تنتمي إلى مهن وحرف يدوية كالخرازة والدباغة والنسيج والخبازة وغيرها، هموم هذه الشريحة الاجتماعية واهتماماتها.

إن هؤلاء الشعراء، الذين أكثرهم لا يكتب ولا يقرأ، وجدوا في هذا النوع من الشعر مرتعا خصبا للتعبير عن ما يدور في خاطرهم وتجاوبوا بسرعة كبيرة مع كل المستجدات الحياتية والأزمات الاقتصادية والأحداث السياسية، سواء في المغرب أو في الشرق العربي.

لم تقتصر جاذبية فن الملحون على القاعدة الشعبية؛ بل مارست سحرها على طبقة الفقهاء والسياسيين والسلاطين والأدباء والمتصوفة، الذين ساهموا في إنماء هذه الحركة الأدبية بإنتاجات وفيرة؛ فمن الفقهاء على سبيل المثال عبد العزيز المغراوي، ومن رجالات السياسة الوزير محمد العمراوي، ومن السلاطين عبد الحفيظ الذي تم طبع ديوانه في بداية القرن العشرين في المطبعة الحجرية بفاس ثم أعادت طبعه أكاديمية المملكة المغربية سنة 2019، ومن المتصوفة مثل محمد الحراق، وغير هذه الأمثلة كثير.

لم يكن فن الملحون حكرا على الرجال؛ بل ساهمت فيه شاعرات أغنين مجاله بإبداعاتهن، مثل الشاعرة التوردانية والشاعرة الورديغية. كما لم تكن إبداعات شعراء الملحون تمر دون نقد ومناقشة المثقفين؛ فقد ساهم أيضا العلماء في الدفع بهذا الحقل الشعري، من خلال فتاويهم وحسم الخلافات الفكرية والعقائدية التي تزخر بها موضوعات شعراء الملحون. فقد احتكم الشاعران أحمد الغرابلي من فاس والمدني التركماني من مراكش في بداية القرن الماضي عند علماء القرويين في مسألة القول والعمل في المعتقد. هل الشهادة بالله والرسول كافية كما يقول التركماني:

اللايم خلي العباد كل واحد في حالُ * الشهادة بالله والرسول تكفي مولاها

أم أنها لا تكفي ولا بد أن يصاحبها العمل كما في قول الغرابلي:

اداعي باعرف صغى لهل العلم ما قالوا * الشهادة من غير عمال ليس تكفي مولاها

خلاف نتج عنه كتيب رائع للعلامة بوعشرين عبارة عن فتوى طويلة، انتصر فيها للغرابلي، وأفتى بعدم إنشاد قصيدة التركماني إلا في حضور إنشاد قصيدة الغرابلي.

اللحن يلهم الفصيح
لقد مرت على شعراء الفصحى فترات جمود كثيرة كانوا فيها في معزل أو شبه عزلة عن هموم وقضايا الشعب، فكانت إنتاجاتهم تدور في حلقات مفرغة، تنسخ ذاتها وتحوم حول قطبها؛ وهو ما منح الشاعر الشعبي مجالا خصبا لملء هذا الفراغ بتعبيره عن شتى القضايا التي لها ارتباط بالحياة اليومية في شموليتها، فتناول مواضيع متنوعة نسجها على منوال ما نجده في الشعر العربي (مثل المدح والعشق والفخر والهجاء والهجاء المتبادل والرثاء والألغاز) مواضيع دينية مثل العشق الإلهي ومدح الرسو وآل البيت والأولياء والصالحين والمعارضة في الرأي وغيرها من المواضيع الكثيرة.

ومنها ما ابتكره شاعر الملحون منفردا به عن شاعر الفصحى، مثل القصة الشعرية الغرامية التي تسمى بالحراز (الحِرْزُ: الوعاء الحصينُ يُحفَظَ فيه الشي. (المعجم الوسيط) والحراز هو المغتصب الذي يحبس الحبيبة ويمنعها من الوصول إلى محبوبها، فيتحايل عليه هذا الأخير بكل الطرق من أجل تحرير محبوبته، وفي الأخير يوفق إلى ذلك) أو الدمليج، الخلخال والكناوي اوالفكاهية مثل حمان، والزردة أو خصومات الأضداد (مثل المرأة البدينة والنحيفة، السوداء والبيضاء، الأمة والحرة، البدوية والمدينية أو القهوة والشاي إلخ).


لم يترك شاعر الملحون بابا من أبواب الحياة إلا ونظم فيه، وخاصة في المرأة التي استحوذت على أكبر جزء من اهتمامه مثله مثل باقي الشعراء في كل الثقافات، فمنح محبوبته قائمة طويلة من النعوت والأسماء مثل حرة البكار وزينت الريام والغزالة وبهيجة الخدود وضوء الهلال. يقول أحد اشهر شعراء الملحون محمد بن سليمان من القرن الثامن عشر في قصيدة خدوج أي خديجة:

خدوج بديعت الجمال* خدوج رقيقت الحروف.

كما تودد شاعر الملحون إلى هذه المحبوبة بإرسال الرسل:

ف: الحين قلت يا مرسولي * ترك النواح ورجع ليها

شكيلها وكون فضولــــي * لا بد حاجتي تقضيــــها

أو حين يشكو بثه إلى الشمعة:

واذا باكيا من سقامك شوفي سقام حالي * من قيس وارثو بعد فناه سقام حب ليلى.

أو شكواه إلى الحمام:

لو كان تنغرم يا حمام انغرمو المدة الفايتا * واللي شفنا في زمانا ما شافوه انجال

أو بكائه على الأطلال:

جيتك اقصرالماجدين صبتك خالي مقفور* سكانك جابوني نزورهم

لله واين ساروا وعطني الخبار.

أو التقرب إلى الحبيب بالوشم:

صول احجام العانس الدامي * الوشام رقم فصدر من نهواه المالكني الغزال الطام

كما تناول بالشعر الخمر والكون والطبيعة والحكمة والزهد والرحلة إلى الحج والمدن التي يمر بها الحاج وطبعا مكة والمدينة وقصائد في مقاومة دخول الاستعمار إلى الأقطار العربية وموضوع فلسطين:

ياك تامن من خالفوا الحد وخانوا العهود

وكذك الميثاق ليس فيهم اللي بنا يثق يقرا لماني

لحمق من يأمن في اعداه ما ينجا من لنكود

الوحي من ذاته
عموما، ليس هناك موضوع له علاقة بالإنسان لم يكتب فيه شاعر الملحون. انطلاقا من استفادة شعراء الملحون في بناء قصائدهم على الموروث الديني والثقافي، القرآن وأمهات الكتب في الحديث والسيرة النبوية والفقه يقول محمد المغاري في قصيدة الحراز:

“قاري علم الكتوب التنزيل انحق كما انزل* نقراه بنافع والمرتل قالون * وورش ونسرد بالمكي يا صاح والبيب البزي * وكذاك الفصيح القنبوز رواية صحيحة والبصري يا الفاهم * والداري والسوسي كنحق لاين شي قديم * نقرا عاصم وحفص ثم شعبة فالرواية نبيل * نقرى الكيسائي كما رواه تميم * وليت يا الفاهم صغى لهذ الحديث كما قال الراوي رويت، نقرى بالشامي على النهاية وابن دكوان كنعرفو حتى هيشام* بيه نقرى الاسوار على الدوام…قاري علم المنطق والسنوسية والبيان* زيد حتى الاجرومية والالفية والموطأ كما رواها مالك* وقريت بعدهم الخرشي وكذلك الرهوني والبخاري مع الرسالة * وكتاب خليل بعد البواق وكتاب الزقاق* وقريت الشمايل والزرقاني مع العيني وابن حجر ما خفاني والمجموع الكبير* طالعت الهيتمي كذلك مسند احمد الفاهم اللغا من صغري”.


كما وظف شعراء الملحون بذكاء كبير سيرة الخلفاء وأخبار العرب في الإسلام والجاهلية ورموزهم مثل: سيف ذو يزن وعنترة وحاتم الطائي وأبو زيد الهلالي وقيس وليلى. فهذا التوظيف أرخى ظلاله على شاعر الفصحى لاحقا كروح جديدة لمواضيع الشعر الفصيح وكنفس جديد للخروج من فترات الركود التي عرفتها الحركة الشعرية في فترات معينة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

لقد استعمل شاعر الملحون في قصيدته، إلى جانب ما ذكرناه من المصادر الفكرية، المثل الشعبي والحكاية والأساطير والخرافات. كما وظف كل ما يمكن الاستفادة منه من أدوات الحرب أو أدوات اللعب في بناء القصيدة. يقول محمد بن اسليمان في قصيدة الرعد مهاجما خصومه من خلال توظيف لعبة الداما ولعبة الورق:

في داما الشطارة كيف جرالُ يكون دايم * رصيت فالسباعي وكلابُ حاصلة فالركان

وبيادقي على التالي * بان غلبو من قال يمنعُ ينبر

ترسان بربعة في يدي كنتها لزايم* وضواصهم عندي مالا وكذاك جوج لصان

المنشا فشمالي* غير يخرج انطرق بلا ما نوفر. *)

في الأخير، لا يمكن إطلاقا الإلمام بهذا البحر الزاخر، الذي اسمه الملحون، لا من خلال عشرات المقالات ولا حتى من خلال كتب؛ فقد قدم فيه أكثر من 70 بحثا لنيل الإجازة وأكثر من 33 أطروحة، كما صرح لي بذلك لي أحد أعمدته البارزين الحاج أحمد سهوم.

إن ما وضعته هنا بين يدي القارئ ما هو إلا قطرة من يم محيط لا آخر له، والحديث عن الملحون لا يمكن أن ينتهي في مقال أو مقالات، وما قدمته هنا إن هو إلا تعريف شحيح لم أرد به البحث ولا الدراسة وإنما فتح كوة جد متواضعة، قد تثير شهية الفضول وحب الاطلاع أكثر وأعمق على هذا الفن.

قد يهمك ايضا :

ساحة” جامع الفنا” تحتضن مشروع متحف التراث المغربي غير المادي

لطفي ساكس يعود بعمل فني جديد تحت عنوان شمس العشية

المصدر: المغرب اليوم | ثقافة
ارسلوا مقالاتكم للنشر إلى: info@elaiounsidimellouk.com

مصدر الخبر
Feed: المغرب اليوم | ثقافة

Created by WPeMatico

إختر التصنيف للمزيد من الأخبار

أحدث المقالات والأخبار

كن أول من يعلق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


*