بحثا عن الصحة… من مدينة بلا صحة…

محمد بوزگو
حينما تدق ساعة من ساعات القدر… تستجيب بانحناءة احترام فتحزم أمتعتك وتودع ذويك… تغادر مدينتك الشاحبة التي لا تصلح سوى للتنفس والتغوط… تتسلح بالخال صديق كرفيق وتتجه للعاصمة… 
صحة الانسان هي أغلى ما للانسان… ومع الاسف هي أرخص ما يحترم في تلك الشبه مدينة المكناة ناظورا…
انطلق عداد المرض منذ اكثر من شهرين… وكان التشخيص خاطئا منذ البداية في إحدى مصحاتنا وفي مصالح الراديو و IRM هناك… وكما يقول الفرنسيون… qui commence mal finit mal… لكن شطارة أحد الدكاترة الاطباء المقتدرين في الحسيمة نبهني الى الزلة… وأرشدني للطريق الصحيح تفاديا لنهاية غير سعيدة… وباستشارة مستمرة مع الأخ حمدان… وتوجيه من ذلك الدكتور العزيز… ومساندة الاخ والصديق أحمد زاهد وتواجده المستمر بجانبي بدأت رحلة البحث عن العلاج… وكأنك تشق عباب البحر… 
هنا الرباط…
الرباط مدينة الحركة والعمل… تصل اليها أنت القادم من المغرب غير النافع… تدوخ وتحار… تشعر بالغربة وكأنك دخلت عالما آخر لست منه… من مصحة لاخرى ومن طبيب لاخر… فحص هنا… راديو هناك… تحاليل هنالك… النتيجة… ضرورة تدخل طبي باطني عبر المجهر… تتساقط أسماء الأطباء المختصين بين يديك فتزداد حيرة… إسم طبيب يتكرر بين الجميع… دكتور مختص وبارع في هذا النوع من العمليات… تكلف الصديق أحمد زاهد بأمره… لكنه وصل لشبه استحالة الوصول اليه وترتيب موعد معه في القريب… مواعيده طويلة الاجل لكثرة انشغالاته… 
كما القدر يتصل بي الدكتور المقتدر من الحسيمة ويسألني عن مآلي لأخبره بالحاصل… وطلب مني مهلة… قبل أن يعاود مهاتفتي وقد رتب لي موعدا مع دكتور من الحسيمة أيضا ويشتغل مديرا بالمصحة التي يمارس فيها ذلك الدكتور البارع في مثل هذا المرض… كانت مفاجأة سارة ونحن نُستقبل أنا وصديقي احمد زاهد من طرف مدير المصحة وهو دكتور في التخدير والبنج… كان بحق أحسن استقبال… بعد تشخيص المرض تحدثا في مواضيع مختلفة واكتشفنا ولعه بالصور الفوتغرافية وبالصورة… وأهداه أحمد زاهد مسرحيته الأخيرة « ينّي إيشارزن ثاغنّانت »… طبعا كان هو القناة السهلة التي يسرت برمجة موعد العملية مع الدكتور المختص مباشرة في اليوم الموالي… 
أنا الآن في غرفة أنيقة… في مصحة نظيفة، منظمة، مرتبة ولائقة لاستقبال المرضى… ومحترمة لصحة الانسان وسلامته… جالس أستعيد شريط حياتي بالعرض السريع… أهم المحطات… أخطائي… زلاتي… وبعض انجازاتي… طبعا، وككائن ضعيف ومفعم بالأحاسيس، سالت دموعي في بعض الأحيان… خاصة حين وقف أمامي أفراد أسرتي الأعزاء واحدا واحدا… أسرتي التي تركتها هناك في المغرب غير النافع تشرئب أعناقها نحوي أنا المحتضَن في المغرب النافع… استحضرت أمي وهي تدعي لي… كما استحضرت بعض الاصدقاء الجميلين وبعض الخائنين والشامتين… وكذلك بعض المنافقين… تذكرت من نساني… ومن لم يعد يراني… ومن اختفيت من شاشة هاتفه… ومن ربما شعر يوما بأني ظلمته أو حقدت عليه وانصرف… ومن جعلتني زحمة الحياة وقسوتها أنساه… وهنا لابد لي من أن ألتمس المعذرة عن كل خطإ صدر مني عن غير قصد أو عن سوء فهم استعصى إدراكه… 
تذكرت كل هؤلاء وتنفست الصعداء لأني أعرف يقينا بأني لم أسع يوما إلى إيذاء أحد… ولا إلى ظلم أحد… ولا كانت يوما من مهمتي معاداة أي كان… بكل الطيبة التي أحملها في قلبي احتضنت البعض… أدخلتهم لعمق منزلي حتى… من أجل تحقيق أحلام كثيرة تجمعنا…شاء من شاء أن اُجبر على أن أشمر على سواعدي كي أحقق ما استطعت من أحلامي بمفردي… وأصارع بكل ما أوتيت من قوة من أجل أخلاقي ومبادئي وقيمي… 
تعلمت بعد كل هذه السنين، أنا الذي تجاوزت نصف قرن، أن على الانسان أن يواجه الحياة لوحده أولا ثم رفقة أسرتك… وبعض قليل جدا من الطيبين… وأن أيا كان لن يحل مكانك من أجل أن يحل مشاكلك أو يأتيك بلقمة يضعها في فمك… وبأن بعض الناس مهما أرادوا أن يكونوا طيبين لن يستطيعوا لخطإ ليس في متناولهم… وبعض آخر مهما فعلوا من شرور أو اقترفوا من أخطاء إنما كان ذلك إما خارجا عن إرادتهم وإما لسوء استيعاب معنى الحياة…   
أنا الآن وقد انهيت هذا الشريط القصير جدا من ذكرياتي فوق سريري بالمصحة… أنتظر دوري للدخول في غيبوبة مبرمجة…

وللحديث بقية إن أطال الله في العمر…

كن أول من يعلق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


*