“النار في لكًار”

ادريس القرعوني /الجديدة
عبارة كثيرا ما رددناها في طفولتنا، عبارة كانت تعني لنا السرعة والجدية في أداء الواجبات، وفي العمل، وفي الصدق والمعاملة، وحين تسأل أحدهم: ” كداير مع الخدمة يا فلان، فيجيب بكل عفوية : مَا كَايَن غي النّار في لكًار!!”وتبقى، ربما، هذه العبارة محلية وخاصة بالعيون الشرقية.لكن السؤال المطروح، ما أصل هذه العبارة، وما مصدرها؟قد تختلف الروايات، لكن المرجح لمصدر هذه العبارة، هو حادث مؤلم، يوم اشتعلت النيران وبقوة في أكوام نبتة “الحلفا” الجافة التي كانت تُلفّ، وتُعَد للتصدير من المحطة السككية بالعيون سيدي ملوك الى مصانع الورق وغيرها بالدار البيضاء.نار مهولة لم يعرف سبب اندلاعها، خلقت الهلع في النواحي المجاورة، وذاع الخبر على صعيد العيون، وصارت الوفود من البشر تتجه نحو “لكًار”، لاستطلاع الأمر، وكلما طُرح السؤال ” واش واقع” ؟؟  لن تسمع إلا : ” النّار في لكًار”.!! 

وقد تداول  هذا الوصف للسرعة والقوة في العمل، بين أبناء البلدة، تشبيها لقوة الاشتعال، وسرعة الإنتشار، وكذا تدخل السكان، وبالوسائل البسيطة واليدوية لإنقاذ ما ما يمكن إنقاذه، بفصل الرزم الملفوفة وابعادها عن بؤرة النار، في انتظار وصول رجال الإطفاء من مدينة وجدة، لانعدامها آنذاك بمركز العيون. ومن ألطاف الله، لم تنتشر الى الجوار بعد أن تم الاستحواذ عليها وتطويقها ولمدة لم تكن بالهينة وبالجهد الجهيد ومساعدة من السكان المجاورين الذين أبانوا عن شهامتهم، وكرمهم بتوفير المياه، والمأكل للشجعان العزل الذين تطوعوا لمواجهة النيران بصدور عارية .

كان هذا الحدث بمثابة ضربة قاضية، لهذه المنطقة “الصناعية” التي كانت توفر مناصب شغل لبعض المياومين لكسب لقمة العيش، وكانت تخلق رواجا اقتصاديا لا يمكن إنكاره بسبب حركة الشاحنات التي كانت تنقل نبتة “الحلفا” من النجود العليا الواقعة جنوب العيون بنواحي جرادة والدهرة حيث كان يتم تلفيفها بآلية خاصة وربطها بحبال من نفس المادة على شكل رزم مكعبة، في انتظار تصديرها، ناهيك عن حركة القطارات التي كانت تنقل المنتوج الى المعامل الصناعية بالعاصمة الإقتصادية، دون أن ننسى الأيقونة ” عمي صالح” الذي كان مكلفا بالحراسة، وصاحب الأمر والنهي الذي كان لنا بالمرصاد حين كنا نتحين فرصة غيابه إلى منزله الغير بعيد عن الموقع لكي ننعم ببعض اللحظات من اللعب والاختباء بين رزم “الحلفا” في لعبة ” الدّس”، او :كاش كاش”.

كل هذا قادني إلى تلك المحطة الفريدة ، محطة القطار التي بقيت كمَعلَمة وإلى الآن تشهد على تاريخ الاستعمار ببلانا، محطة بسيطة في معمارها، وصغيرة في حجمها، في وسط بيئي طبيعي رائع تزينه تلك الغابة من الكالبتوس، التي لا زالت تحتفظالى اليوم ببعض أشجاره التي نجت من معاول الخراب، أو أنها تنتظر في توجس  غدر أعداء الطبيعة في يوم ما.كما أن ذلك المنبع المتدفق دون توقف، والمحاط بنبتة ” السمار” حتى عرفت ب “عين السمار” والتي كانت مصدر ماء للمناطق المجاورة ك حي ” الكا”، والحرية الشمالية، كما كانت مياهها تستغل لسقي أشجار البساتين والحقول التي أصبحت بقدرة قادر غابات من الأجور والاسمنت .محطة القطار هذه، التي لم تكن أبدا وإلى يومنا هذا محطة للمسافرين بمواصفات المحطات المماثلة تلبي رغبات مرتاديها، بل لا زالت في السجلات تعتبر محطة عبور فقط رغم حركة المسافرين  التي تعرفها ومن تاريخ أوائل السبعينات حيث كانت الحركة الطلابية لا تنظب في تنقلاتها ذهابا وإيابا من وإلى وجدة وتاوريرت، حيث كان القطار وسيلة نقل رئيسية، نتكدس فيها كالخرفان لامتلاء العربات عن اخرها، وحتى بين العربات التي كانت تشكل خطرا علينا، مرغمين على ذلك للالتحاق بمؤسساتنا الدراسية.ما بال هذه المحطة التي لم ترد أن “تكبر” رغم مرور ما يقارب السبعين سنة عن استقلال الوطن.؟!!!

هل العيون سيدي ملوك لا وجود لها على خريطة المملكة، رغم تاريخها وحضارتها وبطولاتها ورجالاتها؟؟

الم تكن العيون اول مدينة تأسست فيها الشرطة سنة 1959, بغض النظر عن الدرك، قبل بركان وتاوريرت وجرادة ؟

الم تكن العيون حضرية بوجود الشرطة بدل أن كانت تدعى قروية؟؟

لماذا صارت العيون تبعية، تتبع إداريا وترابيا من وجدة إلى بركان إلى تاوريرت، وربما غدا إلى جرادة؟؟

الم تكن العيون أولى بأن تكون عمالة لموقعها الإستراتيجي الذي يتوسط العمالات التي أُنشئت وأحدثت على “أنقاضها”..؟؟

هل العيون لا حق لها في التنمية، ام لم تجد من يدافع عن مشروعية وجودها؟؟

العيون في حاجة إلى تنمية حقيقية تكون في مستوى رغبات أهلها وسكانها. نتمنى أن يتحرك أولو الإرادة والعزيمة، وكل من يمكن له أن يسمع صوت السكان إلى رفع النداء عاليا حتى يصل آذان اهل القرار.نتمنى من كل أعماقنا ذلكك.هيا “النار في لكًار”.

ادريس القرعوني /الجديدة

2 ماي 2020.

1 Comment

  1. بارك الله فيك السي ادريس.
    لقد عشنا معك هذه اللحظات الجميلة التي أرجعتنا من خلالها إلى عقود خلت.أرجعتنا إلى الزمن الجميل. زمن البساطة لكن زمن الجد والإجتهاد زمن النار في لكار.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


*