أواخر السنوات العجاف

إدريس القرعوني
وطني، مكاني الذي أشعر فيه بالراحة
أجد فيه ما أشتهي من خيرات في كل ساحة
خضر، خبز، مأوى وزيت وزيتون وتفاحة
وأعيش في الأمن والأمان والائتلاف.
  وأضمن فيه التمتع بالحياة والرفاهية   
وأنعم  بالعدل والمساواة والحرية
وأسعد بالتواصل والعلاقة الانسانية
وأجد نفسي في أمة لا أشعر بالاختلاف.
هذي بلادي نرتجي عزها لنحيى وننعم
بسواعدنا نبنيها ونباهي برقيّها  الأمم
 ونطلب العلم والعلوم ونشحذ الهمم
ونتوق للأمجاد، إذ صارت لنا من الأهداف.
مشاريع عاهلنا الكبرى جعلتنا في صف الكبار
موانئ وطرق وشبكات القطار
بها نفتخر وننافس أغنى الأقطار
لا ننكر هذا الفضل، وعلينا واجب الاعتراف.
أما من انتخبناهم انشغلوا بذواتهم
نالوا المناصب واستقروا في مكاتبهم
وتفرغوا للريع وقضاء مصالحهم
ولم يبالوا بمطالب الشعب الذي بح بالهتاف.
كلما رفع الشعب لافتة المطالب
تأججوا غضبا وكشروا عن الانياب
لينهشوا حقوقنا نهش الذئاب
لكنهم واهمون إن ظنوا الوطن حظيرة للخراف .
لا نعمم الحكم على النفير
منهم الأجدر بالاحترام والتقدير
ومنهم من عرض نفسه للإهانة والتحقير
فبلادي مزيج من النذلاء والأشراف.
فالوضع الاجتماعي لا يروق
الهشاشة والفقر والبطالة لا تطاق
و من نادى برفع الحيف والظلم للسجن يساق
أما آن الأوان لتقبل الرأي والاختلاف؟
يوحد بيننا الوطن المفدى
وتفرقنا الفوارق إذ تتمادى
ولم نستطع للبين أن نتفادى
حين أصبحت جراح الوطن من الأعراف.
وطني فرقته المصالح والمنافع
وصار للوصوليين ريع ومراتع 
لم يعد هذا خفيا بل كالشمس ساطع
وأرغِمنا على تجرع هذا الواقع
حيث قسموا البلاد الى أجزاء وأصناف.                                                                                     
 اليأس قد حصد ما زرعنا من الأمل
والكل صار يشعر بالإهانة والإذلال
وراح الشباب يهرب كالجحافل
حين حلقت أسراب من الأوهام والأطياف.
كل ما رأيناه انتصارا صار انكسارا
وحطمنا الصمت بعد أن كان جدارا
فقد سئمنا من الاحزاب ،وسطا ويمينا ويسارا
فما وفوا، ولم يدروا أن وفاء الوعد من الإنصاف.
 رغم تعاقب الاحتجاجات والتنديد
فشلوا في إشباع احتياجات الأفراد
وواجهوهم بالقمع والطرد والوعيد
فتأكد بالملموس بؤس السنوات العجاف.
 كيف يفرح الفقير في هذا الوطن؟
جائع البطن، شارد الفكر عاري البدن
كلما تجلد صبرا وترجى خيرا ولى بخف حنين
ممن واعدوه، إذ صاروا يعاملونه باستخفاف.
 أغرقوا البلاد ديونا  وقروضا
وتعليمنا تدنى الى الدرك حضيضا
وعن العدالة لا زال الشارع نابضا
وعلة تدبير الصحة زادت مرضا
وحيث ما ولينا لا من مسعف ولا إسعاف.
 حقوقنا جلية لا تهظم ولا تطمر
والدفاع عنها واجب لا يبلى ولا يحصر
ولم نعد نستسيغ ضياع أموالنا التي تهدر
وفي غير منفعة الأمة تصرف بسخاء وإسراف.
حكومتنا تشكو سياسة عسر المال
ولم تجد حلا لهذا الإشكال 
فأثقلت كاهل الضعيف بالرسوم الثقال
وتحاشت ذوي الجاه والنفوذ والأموال
فعجت البلاد بظواهر الفقر والجرائم والانحراف.
ربما لا نعاني نقصا في سيولة الدرهم
بل نعاني من الناهبين جاحدي الخير والنعم
“الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقليل هم”
من قنعوا بالعيش على الكفاف والعفاف.
 دون تأشيرة ولا جواز السفر
 ركب الشباب الموج هربا من الفقر
بحثا عن كرامة وعز وراء البحر،
من نجا منهم طلع عليه نور الفجر 
وأخرون أحزنونا عند سماع الخبر
حين لفظتهم الأمواج جثثا على الضفاف.
 اتخذوا البَر الآخر بمثابة منارة
فاستلهمهم بالحداثة والرقي والحضارة
فجازفوا بأعمارهم إليه على العبّارة
ولا زال المنتظرون للإقلاع بالآلاف.
 الكفاءات والأدمغة عازمة على الرحيل
حيث قوبلت شواهدهم وكفاءاتهم بالتجاهل
ووضعهم الاجتماعي لم يعد قابلا للتحمل
وحكومتنا تغاضت عن إيقاف هذا النزيف.
عن البوادي والجبال لا تسألني
وكل المناطق النائية لا نستثني
وعن اقصائهم وعزلتهم حدثني
وأكيد أن الجل منهم يكابد ويعاني
وقد اتخذوا المغاور مسكنا في الأجراف.
بياض نراه متعة وسحرا من الجَمال
حين تكسو الثلوجُ السفوح وقمم الجبال
 أهلها يعانون من القساوة والعزلة والانعزال
فلم يعد صبرهم هينا إذ فاق تحمل الجِمال
 مسالكهم كأنهم يمشون على الحبال
ولا زالوا يحملون حواملهم ومرضاهم على الدابة والأكتاف.
وطني غني و ليس بالفقير
حباه الله بالخير الكثير
لكن يعاني سوء التدبير
وثرواته توجه للتصدير
ونصيبنا نناله بالمناسبات في القفاف.
وطني بلد موحد الجماهير
نطالب أهل الألباب والضمير
وكل مسؤول ومنتخب ووزير
أن يبادروا بالإصلاح والتغيير
فكفانا من التعسف والتسويف والإجحاف.
نسألك يا الله أن تحمي هذا البلد
وأن تلهم شعبه الوحدة والعون والمدد
ولعاهل البلاد التمكين والسؤدد
وأن تحيطنا يا الله  بالعناية والألطاف.
إدريس القرعوني / الجديدة20/01/20Attachments area

كن أول من يعلق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


*